
دولة الرئيس:
مقدِّمة.
في زمن الزيغ، لا بد التذكير بالثوابت والبديهيات.
في السطر الأول من البند الأول من مقدمة الدستور، ورد أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه.
هذه العبارة المقتضبة التي تتألف من كلمات خمس مكثفة وشديدة الأهمية، هي وردت في إتفاق الطائف، وجرى تحويلها إلى نص في مقدمة الدستور.
إن صاحب هذه العبارة هو الإمام السيد موسى الصدر، الذي بدوره ورث إرث السيد عبد الحسين شرف الدين، رجل الخيار الوحدوي العروبي المناهض للإستعمار في العام 1920، ورجل الخصوصية الكيانية اللبنانية، في إجتماع النبطية في العام 1925.
إن هذه المقدمة، ضرورية في زمن المخاطر والتهديدات الوجودية والكيانية، في زمن الخيارات الكبرى، والتحديات الجسيمة،زمن التغوُّل الإسرائيلي، والتلميح الأميركي بإستهدافنا كيانياً أو سيادياً كلبنانيين، وعودة الإنفلاش التكفيري.
هذا الوطن بكيانه وحدوده وأرضه وشعبه، بمكوناته كافة ودولته وسيادته، نتمسك به وندافع عنه في وجه أي معتدٍ أكان إسرائيلياً أم غير إسرائيلي.
وهذا الوطن نريد له أن يكون آمناً ومستقراً ومزدهراً ومتطوراً...
إن هذا الوطن هو نحن جميعاً، وهذه الدولة هي نحن جميعاً.
دولة الرئيس:
ربما، نحن في مرحلة إستثنائية جداً، لم يسبق للبلد أن مرَّ، بمايفوقها خطورة، أخذاً بعين الإعتبار، التهديدات، والمخاطر، الجيوـ إسترتيجية، أي التي تحيط بنا إقليمياً.
من هذه الزاوية، المرحلة هي مرحلة النصح والتعاون، أكثر مما هي مرحلة المساءلة والنقد، هي مرحلة الخروج من أمراض التاريخ اللبناني المزمنة إلى إنقاذ الجغرافيا اللبنانية.
نسمع كلاماً صريحاً، من مواقع تمثِّل قوى كبرى، تستسهل الحديث عن تغيير سايكس ـ بيكو والعودة إلى بلاد الشام.
إذن المخاطر كبرى، وعلينا أن نعي ذلك.
في مواجهة ذلك، ليس مطلوباً أن نستجير بالرمضاء من النار.
المطلوب بكل بساطة أن يخرج البلد، محرراً آمناً، موحداً ومستقراً ومعافى، وأن ينطلق في مسار الإزدهار.
كيف السبيل إلى ذلك؟.
- إن وحدة الموقف الرسمي اللبناني، ركيزة أساسية يستند إليها، وإن هذه الوحدة ستكون أكثر فاعلية، عندما تتوسع على المستوى الوطني العام.
نحن ننوه بوحدة الموقف الرسمي اللبناني، وندين محاولات التشويش عليه، والمشاغبة المؤذية، ولعب دور حصان طروادة من قِبل البعض، لتفعيل الضغوطات الخارجية على لبنان، ونرى فيها ممارسة سياسية شديدة الخطورة، وذات أثار لا تمحى بسهولة.
- إدارة المصالح اللبنانية بتوازن وصلابة أي دون تفريط ودون مبالغات ومغامرات غير محسوبة.
ثمة قضيتان كبيرتان تظللان الواقع السياسي اللبناني:
أ- الإصلاحات ومسار التعافي وبناء الدولة.
ب- الإحتلال الإسرائيلي والإستمرار بالأعمال العدائية.(هذه هي القضية بما هي السبب وليس السلاح بما هو النتيجة).
إن ما يجب أن يكون واضحاً، أن هاتين القضيتين لا تنفصلان ، لا يمكن لمسار التعافي والإستقرار والإصلاح أن يكتمل وأن يبلغ مراميه، في ظل إستمرار الأعمال العدائية الإسرائيلية، وإحتلال المواقع الخمس، وعدم الإلتزام بوقف إطلاق النار، وعدم إحترام السيادة اللبنانية، وعدم إنطلاق إعادة الإعمار لإعادة مئات الالاف من اللبنانيين إلى منازلهم وقراهم وأشغالهم وأرزاقهم.
إن الفصل بين هذين المسارين وهمُ، ومقاربة غير واقعية، وخطيرة بحق مكوِّن لبناني.
عندما نتحدث عن إدارة المصالح اللبنانية، نحن نذكِّر الحكومة ب14 مطلباً وطنياً حيوياً تشكل مجتمعة: القضية الوطنية اللبنانية في هذه المرحلة:
1- ضرورة إيقاف الأعمال العدائية الإسرائيلية.
2- الإنسحاب من التلال الخمس التي إحتلها العدو في حربه الأخيرة.
3- تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا أو وضعها على سكة المعالجة بحسب القرار 1701.
4- إستعادة الجزء اللبناني من بلدة الغجر أو خراج بلدة الماري، قضاء حاصبيا،
5- حفظ الحق اللبناني في حصتنا كاملة من نهر الوزاني الذي يتدفق من الأراضي اللبنانية إلى فلسطين المحتلة.
6- إطلاق الأسرى اللبنانيين الذي أسرهم العدو في مرحلة الحرب وبعد وقف إطلاق النار.
7- تثبيت خط الحدود مع فلسطين المحتلة، ومعالجة نقاط التحفظ، بما فيها النقطة B1 الساحلية.
8- وضع حد للتعقيدات المفتعلة، التي تحول دون الإستثمار اللبناني في الحقول النفطية والغازية في المنطقة الإقتصادية الخاصة في البحر الأبيض المتوسط.
9- رفع الفيتو عن حق الجيش اللبناني في إمتلاك أسلحة دفاعية متطورة.
10- تذليل التعقيدات الدولية، أمام عودة النازحين السوريين إلى ديارهم.
11- ضمان عدم توطين اللاجئين الفلسطينيين والنظر بمصيرهم.
12- وضع حد لخروقات العدو للسيادة اللبنانية براً وبحراً وجواً.
13- معالجة موضوع اللبنانيين اللذين أدرجت أسماؤهم بتعسُّف وظلم، على لوائح العقوبات الأميركية، أكانوا أفراداً أم مؤسسات.
14- إطلاق عملية إعادة إعمار ما هدمه العدوان الإسرائيلي.
بغض النظر عن صعوبة الظروف التي يمر بها لبنان، وحجم التعقيدات التي تواجهه والضغوطات التي يتعرض لها، إن النقاط المشار إليها هي مطالب وضرورات وطنية، تحتاج إلى معالجة، وإذا ما أُضيف إليها التهديدات الناشئة المستجدة التي يجب أن تؤخذ على محمل الجد، فإننا أمام وضعية حرجة، تستدعي عدم التفريط بما نملك من أوراق قوة، أو أوراق ضغط، والإطمئنان إلى تحقيق ما أمكن من مصالحنا الوطنية، قبل الإنتقال إلى البحث في المسارات البديلة.
دولة الرئيس.
إن العدو الإسرائيلي لم يلتزم مطلقاً بالقرار 1701 أو تفاهم وقف إطلاق النار والإجراءات التطبيقية للقرار الدولي. والدول الضامنةنفضت يدها من أي ضمانات مفترضة، بل قام الأميركيون بتغطية الخروج الإسرائيلي عن الإتفاق، ولجنة الإشراف أو ما يُعرف بالميكانيزم، لم تقم مطلقاً بدورها المفترض.
لهذا لدينا أزمة ثقة عميقة بعد سقوط كل التفاهمات والضمانات، ولو أن الأطراف المعنية جميعها إلتزمت بما يجب أن تلتزم به، ربما لكنا أمام مسار لبناني مختلف جذرياً...
أما الأن، فلا قيمة لأي وعود، ولا صدقية لأي عروض، والكلام عن الضمانات إنما هو مجرد كلام فارغ....
وبعد كل هذا، يسعون إلى تفاهم جديد على أنقاض تفاهم لم يطبَّق.
نحن نريد الإستقرار، لكن ليس وارداً بحسباتنا الإستسلام.
وإن موقفنا، بسيط وواضح، لكنه ثابت وصلب، نحن التزمنا كاملاً بموجبات وقف إطلاق النار بما يتضمن من إجراءات تنفيذية للقرار 1701 ، إن نطاق القرار 1701 هو جنوب نهر الليطاني، وهو قرار دولي، وإن وقف إطلاق النار هو تفاهم بين أطراف معنية، وهو مقيَّد بقواعد القرار ونطاقه، ولا يصح لما هو أدنى أن يتجاوز ما هو أسمى.
أما ما عدا ذلك، فهو شأن سيادي لبناني، نعالجه فيما بيننا كلبنانيين، في إطار علاقة الدولة بمكوناتها، وقد أوضح أميننا العام مراراً وتكراراً، أننا منفتحون وإيجابيون ولن نعدم وسيلة للتفاهم، سيَّما وأننا ندرك تماماً ظروف البلد والتحولات الإقليمية من حولنا.
هذا هو المسار الذي يُفضي إلى نتيجة إيجابية ملموسة، تعيد الإستقرار والتعافي إلى لبنان.
أما أولئك الذين، يضغطون على الدولة، كي تتصادم مع مكوِّن من مكونات هذه الدولة، ويرفضون مسار الحوار والتفاهمات الداخلية، فهم يدركون في دواخلهم، خطورة هذا المسار، الذي جربه اللبنانيون مرات عدة في مفاصل خطيرة، دفعت ثمنه الدولة والمجتمع في آن.
فهل يريد هؤلاء فعلاً، إهتراء الدولة وإنقسام المجتمع، وهل يشكل هذا الهدف رهاناً مستبطناً، في مرحلة يكثر فيها الحديث عن إعادة تشكيل الخرائط والكيانات؟!.
لقد حصلت تطورات شديدة الأهمية، يجب قراءة دلالاتها جيداً،
- لقد إلتزمت المقاومة بالقرار الدولي 1701،وبوقف إطلاق النار، ودعت الدولة للقيام بدورها، المتأصل في صلب ماهيتها، في حماية مواطنيها وأرضها وسيادتها، وإدارة الموقف السياسي المترتب على هذا الدور.
إن المقاومة التي التزمت بالتزامات الدولة اللبنانية، تركت للدولة أن تعالج التمادي الإسرائيلي في الأعمال العدائية، قتلاً وتدميراً، وهي لها الحق في أن تستخدم قدراتها وأدواتها كافة الدبلوماسية والسياسية والدفاعية، بما فيها حق شعبها في الدفاع عن نفسه وأرضه ودولته.
إن هذه الحقيقة، تشكل تطوراً إيجابياً وخطوة إلى الأمام، في إطلاق مسار أن تأخذ الدولة دورها كاملاً في القدرة على حماية شعبها وبسط سلطتها...
لأنه كلما طورت الدولة في قدراتها على تأدية وظائفها الحمائيةوالدفاعية والسيادية، كلما تراجعت الحاجة إلى الأدوات البديلة أو الإضطرارية.
إن هذه الحقيقة، التي تشكل مُعطى متطوراً وينطوي على إيجابية لا يمكن نكرانها، في مسار إعادة الإعتبار للدولة في أن تتجلى بوظائفها كافة، كان يجب أن تُلتقط كركيزة للبناء عليها في مسار المعالجة، بدل أن يسعى البعض لتوظيفها في التصويب على العهد لحشره وإضعافه في مواجهة الضغوطات الدولية، وفي إستهداف المقاومة للنيل منها بالتناغم مع المواقف الخارجية.